ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )

84

الامامة والسياسة

كتاب علي جاءني ، وقد أوحشني ، وهو آخذي بمال أذربيجان وأنا لاحق بمعاوية ، فقال القوم : الموت خير لك من ذلك ، أتدع مصرك وجماعة قومك ، وتكون ذنبا لأهل الشام ؟ . كتاب جرير إلى الأشعث قال : وذكروا أن جريرا كتب إلى الأشعث : أما بعد . فإنه أتتني بيعة علي فقبلتها . ولم أجد إلى دفعها سبيلا ، وإني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان ، فلم أجده يلزمني ، وقد شهده المهاجرون والأنصار ، فكان أوثق أمرهم فيه الوقوف ، فاقبل بيعته ، فإنك لا تلتفت إلى خير منه . واعلم أن بيعة علي خير من مصارع أهل البصرة . وقد تحلب الناقة الضجور ( 1 ) . ويجلس العود ( 2 ) على البعير الدبر . فانظر لنفسك . والسلام . إرسال علي جريرا إلى معاوية قال : وذكروا أن جريرا لما قدم على علي قال له : يا جرير . انطلق إلى معاوية بكتابي هذا ، وكن عند ظني فيك ، واعلم يا جرير أنك ترى من حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والبدريين والعقبيين ( 3 ) . وإني اخترتك عليهم ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير ذي يمن جرير ، فاذهب إلى معاوية بكتابي هذا ورسالتي ، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون ، وإلا فانبذ إليه بالحرب ، وأعلمه أني لا أرضى به أميرا ، والعامة لا ترضى به واليا ، فقال جرير : إني لأكره أن أمنعك معونتي ، وما أطمع لك في معاوية ، ويصنع الله ما يشاء . كتاب علي إلى معاوية مرة ثانية قال : وذكروا أن عليا كتب إلى معاوية مع جرير : أما بعد ، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا ، فإن خرج منهم خارج ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وأولاه الله ما تولى ، وأصلاه جهنم . وساءت مصيرا . وإن طلحة

--> ( 1 ) الناقة الضجور : التي ترغو عند حلبها . ( 2 ) العود : المسن من الإبل . ( 3 ) العقبيين : نسبة إلى العقبة ، والمراد بيعة العقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .